المنتدى العربي للعلوم القانونية

المنتدى العربي للعلوم القانونية

ماستر التقنيات البديلة لحل المنازعات وماستر العلاقات الدولية
 
الرئيسيةمنتدى القانون االيوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الطعن في أوامر الهدم بالإلغاء والتعويض أمام القاضي الإداري بالمحكمة الإدارية
الثلاثاء أبريل 12, 2016 2:42 am من طرف عبدالرحمان مغاري

» بخصوص القضاء الاداري : دراسة تشمل القانون التنظيمي الجديد للجماعات الترابية
الثلاثاء أبريل 12, 2016 2:25 am من طرف عبدالرحمان مغاري

» المسطرة المدنية المعمقة
الجمعة يناير 09, 2015 3:02 pm من طرف laaroussi Gnaissa

» قراءة في قانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم الداخلي : بقلم ذ محمد طارق أستاذ بكلية الحقوق المحمدية
الثلاثاء يناير 06, 2015 3:38 pm من طرف laaroussi Gnaissa

» التأصيل الفلسفي للمبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة
السبت ديسمبر 27, 2014 5:08 pm من طرف laaroussi Gnaissa

»  التطور التاريخي لمبادئ المحاكمة العادلة
الأحد ديسمبر 21, 2014 9:46 pm من طرف laaroussi Gnaissa

» المفهوم الإصطلاحي للنزاع وتمييزه عن المفاهيم المشابهة له
الثلاثاء ديسمبر 16, 2014 4:25 pm من طرف laaroussi Gnaissa

» التقرير السادس 09/12/2014
الثلاثاء ديسمبر 09, 2014 2:47 pm من طرف laaroussi Gnaissa

» التقرير الخامس 08/12/2014
الإثنين ديسمبر 08, 2014 3:48 pm من طرف laaroussi Gnaissa

سحابة الكلمات الدلالية
أفضل 10 فاتحي مواضيع
laaroussi Gnaissa
 
عبدالرحمان مغاري
 
saad
 
حسن الفن
 
جناح المصطفى
 
brahim
 
جمال عبد الصادق
 
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 15 بتاريخ الأربعاء سبتمبر 19, 2012 3:51 am
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 39 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو chahid فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 488 مساهمة في هذا المنتدى في 182 موضوع
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

شاطر | 
 

 الفكر السياسي عند الفرابي وابن رشد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جناح المصطفى



عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 04/04/2012

مُساهمةموضوع: الفكر السياسي عند الفرابي وابن رشد    الثلاثاء مايو 29, 2012 8:22 am

'Tahoma'] الفكر السياسي عند الفرابي وابن رشد

[right]1- الفرابي :


هو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، أبو نصر الفارابي، ويعرف بالمعلم الثاني لدراسته كتب أرسطو (المعلم الأول) وشرحه لها. ويعرف الفارابي في اللاتينية باسم
Alpharabius. ولد في مدينة "فاراب" في تركستان حيث كان والده تركياً من قواد الجيش. وفي سن متقدمة، غادر مسقط رأسه وذهب إلى العراق لمتابعة دراساته العليا، فدرس الفلسفة، والمنطق، والطب على يد الطبيب المسيحي يوحنا بن حيلان، كما درس العلوم اللسانية العربية والموسيقي. ومن العراق انتقل إلى مصر والشام، حيث التحق بقصر سيف الدولة في حلب واحتل مكانة بارزة بين العلماء، والأدباء، والفلاسفة.
وبعد حياة حافلة بالعطاء في شتى علوم المعرفة طوال ثمانين سنة، توفي الفارابي أعزب، بمدينة دمشق سنة 339هـ/950م.

إسهاماته العلمية:

يعدّ الفارابي أكبر فلاسفة المسلمين. وقد أطلق عليه معاصروه لقب "المعلم الثاني" لاهتمامه الكبير بمؤلفات أرسطو "المعلم الأول"، وتفسيرها، وإضافة الحواشي والتعليقات عليها. ومن خصائص فلسفة الفارابي أنه حاول التوفيق من جهة، بين فلسفة أرسطو وفلسفة أفلاطون، ومن جهة أخرى بين الدين والفلسفة. كما أنه أدخل مذهب الفيض في الفلسفة الإسلامية ووضع بدايات التصوف الفلسفي.

ورغم شهرة الفارابي في الفلسفة والمنطق، فقد كانت له إسهامات مهمة في علوم أخرى كالرياضيات والطب والفيزياء. فقد برهن في الفيزياء على وجود الفراغ. وتتجلى أهم إسهاماته العلمية في كتابه "إحصاء العلوم" الذي وضع فيه المبادئ الأساس للعلوم وتصنيفها ؛ حيث صنف العلوم إلى مجموعات وفروع، وبين مواضيع كل فرع وفوائده.
وبجانب إسهامات الفارابي في الفلسفة، فقد برز في الموسيقى. وكانت رسالته فيها النواة الأولى لفكرة اللوغارتم حسب ما جاء في كتاب "تراث الإسلام"، حيث يقول كارا دي فو
Carra de Vaux[color=#3e3e3e] : أما الفارابي الأستاذ الثاني بعد أر سطو وأحد أساطين الأفلاطونية الحديثة ذو العقلية التي وعت فلسفة الأقدمين، فقد كتب رسالة جليلة في الموسيقى وهو الفن الذي برز فيه، نجد فيها أول جرثومة لفكرة النسب (اللوغارتم)، ومنها نعرف علاقة الرياضيات بالموسيقى. وتؤكد زغريد هونكه الفكرة نفسها حين تقول : >إن اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم والإيقاع قد قربه قاب قوسين أو أدنى من علم اللوغارتم الذي يكمن بصورة مصغرة في كتابه عناصر فن الموسيقى.

مؤلفاته:
ـ شرح كتاب "المجسطي" في علم الهيئة لبطليموس
ـ شرح المقالتين الأولى والخامسة من كتاب إقليدس في الهندسة
ـ كتاب في المدخل إلى الهندسة الوهمية
ـ كلام في حركة الفلك
ـ مقالة في صناعة الكيمياء
ـ كتاب إحصاء العلوم : قسم الفارابي، في هذا الكتاب، العلوم، إلى ثماني مجموعات، ثم ذكر فروع كل مجموعة، وموضوع كل فرع منها، وأغراضه، وفوائده. ترجمه جيرار الكريموني إلى اللاتينية.
ـ صناعة علم الموسيقى : شرح فيه الفارابي مبادئ النغم والإيقاع.
وللفارابي عدد كبير من المؤلفات الأخرى في الفلسفة والمنطق ومن أشهرها :
ـ "آراء أهل المدينة الفاضلة" ؛
ـ "الجمع بين رأى الحكيمين أفلاطون الإلهي و أرسطوطاليس" : وهو كتاب يوفق فيه الفارابي بين آراء أفلاطون وأرسطو.
وأكثر الكتب التي ألفها الفارابي، إما أنها فقدت أو أنها لا تزال في الخزائن والمكتبات، والمعروف منها إلى الآن قليل، إذا قيس بمجموع ما كتبه في شتى العلوم والفنون.

نظرة الفرابي للسياسة


وأبو نصر الفارابي واحد من الفلاسفة الّذين تكلّفوا عناء التّفكير والتّفلسف في مسعىً لوضع الأسس والتّصوّرات الكفيلة بتحقيق السّعادة للمجتمع الّذي يتكوّن من الرّئيس والمواطنين ومراتب الرّئاسة المختلفة في إطار مجتمع المدينة الواحد، وفقَ تصوّرٍ فلسفي مثالي مستمدٍّ في جانبٍ كبيرٍ منه من التّصوّرات الفلسفيّة للفلاسفـة اليونان ، خصوصاً ( أفلاطون و أرسطو ) ومن الشّريعة الإسلاميّة ، لينتهي بعد ذلك إلى وضع تصوّرٍ فلسفيٍّ أخلاقي للعلم السّياسي الّذي يكون قادراً على تحقيق السّعادة لمجتمع المدينة الفاضلة .

وعليه سيتناول الفارابي عدداً من المسائل السّياسيّة بروحٍ فلسفيّة تأمليّةٍ تنتهي إلى مطابقة ما بالأعيان للتصوّرات الفلسفيّة للكون والعالم والاجتمـاع المدني الّذي ينبغي أن يخضع للمبادئ والنّواميس الّتي يخضع لها العالم الطّبيعيِّ ذاته ، تلك المبادئ الّتي تنطلق من التّسليم بوجود اللّه بوصفه رأس الموجودات وكمالها المطلق وواجب الوجود الّذي يعقل ذاته بذاته وتصدر عنه سائر الموجودات باعتبار أن وجوده هو المصدر الّذي تصدر عنه الأشياء كلّها ، من هنا جاء ترتيبه للعقول ابتداءً بالعقل الأوّل الّذي تصدر عنه العقول العشرة الباقية ، متأثّراً بنظريّة الفيض الأفلاطونيّة .

ولطالـما أنَّ العقل الأوّل هو علّة الوجود وكماله، والسّبب في وجود باقي العقول ، ولطالما أنَّ العقول العشرة تسعى للتّشبّه بالموجود منها في سلسلة تنتهي بتشبّه الموجود الثّاني بالموجود الأوّل واجب الوجود ـ أي الله ـ فإنَّ رأس الكثرة هنا يكون الواحد، وعليه فرأس مجتمـع المدينة ينبغـي أن يكون الرّئيس ، الّذي يعتبر السّبب الأوّل في وجودها ، فالرّئيس أوّل العناصر ، وأكثرها أهمّيّة في الاجتمـاع المدني ، وهو بمنزلة الموجود واجب الوجود بالنّسبة للموجودات الصّادرة عنه ، في علاقته بالاجتمـاع المدني ، بمعنى أنّهُ لاوجود للاجتماع المدني المبني على أسسٍ أخلاقيّة فضائليّة من غير الرّئيس الّذي بواسطته يتمّ تنظيم المجتمـع تنظيمـاً مثالياً مماثلاً للتّنظيم الكـوني الّذي يربط جميع الموجودات بالله ، وعليه فالرئيس هو علّة وجود المدينة الفاضلة ، و وجوده سابقٌ على وجود المدينة الفاضلة ذاتها ، باعتبارها تأتي في سلسلة المراتب التّالية لوجود الرّئيس ، من هنا تسعى إلى التّشبّه به بوصفـه المثال الأعلى للفضيلة وقيمها الأخلاقيّة والنّظام .

وعليهِ فثمّة رابط بين الأخلاق والسّياسة في فلسفـة الفارابي السّياسيّة انطلاقاً من نظرته لأخلاق الإنسان بوصفه كائناً مدنيّاً، آخذين بنظر الاعتبار هيمنة الأفكـار السّياسية على فلسفته ، والدليل على ذلك أننا نقع على مجموعـة من المؤلّفات السّياسيّة لديه أبرزها :"السّياسة المدنيّة " ، " آراء أهل المدينة الفاضلة " و" تحصيل السّعادة " ، والفارابي كما نظر البعض إليه من " أشدّ الفلاسفة المسلمين عنايةً بالسّياسة رغـم أنّه لم يشارك فيها أدنى مشاركة " ( د. بدوي ، عبد الرحمن ، موسوعة الفلسفة ، ج2،الطبعة الأولى ، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر ، بيروت 1984،ص110 ).

يحدد الفارابي غاية الفلسفة السّياسيّة بأنّها : سياسيّة أخلاقيّة في المقام الأوّل . من هنا كانت المهمّة الرّئيسة للعلم المدني هي مهمّة البحث عن كلّ الأفعال الحسنة،كالخير ، والفضائل الّتي تمكّن الإنسان من الاقتراب من الكمـال ، بخلاف الأفعال القبيحة التي تعيقه من تحقيق ذلك ، وعليه يكون العلم السّياسي هو : " علم الأشياء الّتي بوساطتها يتوصّل سكّان المدن إلى السّعادة بفضل المجتمع المدني " لذا يولي الفارابي أهمّيّة كبيرةً للاجتماع المدني باعتباره السبيل الموصل للسّعادة .

والفلسفة السّياسيّة _ أو العلم المدني عند الفارابي _ تتناول أنواع الأفعال والشّرائع الإداريّة والملكات والأخلاق والسّجايا والشّيم الّتي تنجم عنها الأفعال،والغايات الّتي من أجلها تُفعل الأفعال طبقاً لقوله بأنَّ العلم المدني هو الّذي " يفحص عن أصناف الأفعال والسِّيَر الإراديّة وعن الأخلاق والسّجايا والشّيم الّتي عنها تكون تلك الأفعال والسّنن ، وعن الغايات الّتي لأجلها تفعل ، وكيف ينبغي أن تكون موجودة في الإنسان " ( الفارابي ، أبو نصر ، السياسة المدنيّة ، حققه وقدّم له ،الدكتور فوزي متري نجّار ، الطبعة الأولى، بيروت ، ص15) .

ولمّا كانت السّعادة هي الغاية المنشودة لفلسفته السّياسية ، فقد تناول كلّ ما من شأنه أن يكون على علاقة بسعادة الإنسان ، فأصبح العلم المدني لديه يُعنى بالمبادئ الأوّليّة والنّظريّات الإلهيّة نظراً للصّلة الّتي تربطها بسعادة الإنسان ، أمّا السّعادة في أعلى درجاتها فلا يتوقّف تحصيلها على أفعال الإنسان فحسب ، وإنّما على آرائه أيضاً من هنا انفرد كتاب الفارابي " مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة " في إبراز الآراء الّتي يتعيّن على أهل المدينة الفاضلة الأخذ بها حتّى يصلوا إلى السّعادة الّتي هي الكمال النّظري الّذي لا يوجد إلاّ في الأذهان والنّفوس فحسب.

القول في الاجتماعات المدنيّة(أهمّيّتها،أقسامها،اختلافاتها):

الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ سياسيٌّ بالطّبع فلا يستطيع الاستمرار في العيش بمعزلٍ عن النّاس والمجتمـع والنّظام فهو على حدّ قول الفارابي: " .. من الأنواع الّتي لا يمكن أن يتمّ لها الضّروري من أمورها ، ولا تنال الأفضل من أحوالها إلاّ باجتماع جماعاتٍ منها كثيرة في مسكن واحد "( المصدر نفسه ، ص 69 ) ، والجماعات الإنسانيّة عند الفارابي تنقسم إلى ثلاثة أقسام : عظمى ، وسطى ، وصغرى ، أمّا العظمى فهي جماعة مكوّنة من أمم كثيرة تجتمع وتتعاون . والوسطى هي الأمّة ، والصّغرى هي الّتي تحوزها المدينة ، والجماعات الثّلاث هي الجماعات الكاملة ، والمدينة هي أوّل مراتب الكمالات، من هنا كان جلّ تركيز الفارابي على الجماعـة الصّغرى الّتي تشكّل مجتمع المدينة . بالمقابل هناك الجماعات النّاقصة وهي ، الاجتماع في القرى والمحال والسّكك والبيوت ، وهناك ما هو أنقص منها جدّاً وهو " الاجتماع المنزلي" وهو جزء للاجتماع في السكّة الّذي هو جزء للاجتماع في المحلّة الّذي هو جزء للاجتماع المدني ، وثمّة تقاطعاتٍ واختلافاتٍ بين هذه الاجتماعات ، فالمحال والقرى لأجل المدينة لكنّ الفرق بينهما هو " أنَّ المحال أجزاء للمدينة والقرى خادمة للمدينة.. [ كذلك ] الجماعة المدنيّة هي جزءٌ للأمّة ، والأمّة تنقسم مدناً" والجماعـة الإنسانيّة الكاملة من وجهة نظر الفارابي هي الّتي تنقسم أمماً ، ولكنّ الأمم تتمايز عن بعضها البعض بشيئين طبيعيين هما " الخِلَق الطّبيعيّة والشّيم الطّبيعيّة،وبشيء ثالث وضعي..وهو اللّسان ، ( اللغة الّتي بها تكون العبارة ) " ( المصدر نفسه ، ص70 ) ، والأمم ليست على درجة واحدة من حيث الكمّ والاتّساع : " فمن الأمم ما هي كبار ومنها ما هي صغار " ( المصدر نفسه، ص70 ) ، أمّا اختلاف الأمم فيرجع إلى أسبابٍ جغرافيّة وطبيعيّة :" فالسّبب الطّبيعي الأوّل في اختلاف الأمم .. اختلاف أجزاء الأجسام السّماويّة الّتي تُسامتهم في الكرة الأولى ، ثمّ من كرة الكواكب الثّابتة ، ثمّ اختلاف أوضاع الأُكر المائلة من أجزاء الأرض وما يعرض لها من القرب والبعد ، ويتبع ذلك اختلاف أجزاء الأرض الّتي هي مساكن الأمم .. ويتبع اختلاف أجزاء الأرض اختلاف البخارات الّتي تتصاعد من الأرض ، وكلّ بخار حادثٍ من أرض فإنّه يكون مُشاكلاً لتلك الأرض ، ويتبع اختلاف البخار اختلاف الهواء واختلاف المياه ، ويعلل ذلك أنَّالمياه في كلّ بلد إنّما تتكون من البخارات الّتي تحت أرض ذلك البلد .. ويتبع اختلاف الهـواء ، واختلاف المياه ، اختلاف النّبات واختلاف أنواع الحيوان غير النّاطق ، فتختلف أغذية الأمم ، ويتبع ذلك اختلاف المواد والزّرع الّتي منها يتكوّن النّاس الّذين يخلفون الماضين ، ويتبع ذلك اختلاف الخِلَق واختلاف الشّيم الطّبيعيّة .. فما يبقى بعد ذلك من الكمالات الأُخَر،فليس من شأن الأجسام السّماويّة أن تعطيه بل ذلك من شأن العقل الفعّال " ( المصدر نفسه، ص71 )،هكذا يردّنا الفارابي في اختلاف الأمم إلى الأساس الفلسفي الّذي ينطلق منه، بحيث يردّ الاختلافات الحاصلة بين الأمم إلى الأثر الطّبيعي المتعلّق بالكرات ، كرة الكواكب الأولى ، وكرة الكواكب الثّابتة ، وكرة الكواكب المائلة ، فاختلافات الأمم لديه ليست اعتباطيّة وإنّما ترتدّ إلى عللها الطبيعيّة .

أمّا العقل الفعّال فَيَهِب الإنسان قوّةً ومبدأً به يسعى ، أو به يقدر على أن يسعى من تلقاء نفسه إلى سائر الكمالات .. فيعطيه المعارف والمعقولات بعد أن يتقدّم في الإنسان ، ويحصل فيه الجـزء الحاس من النّفس ، والجزء النّزوعي الّذي به يكون الشّوق والكراهة التّابعان للحاس.. فبهذين تحصل الإرادة إذ يعزو إليها كلّ أفعال الإنسان من المحمود والمذموم ، والجميل والقبيح . فالإرادة أوّلاً هي : شوق عن إحساس، والشّوق يكون بالجزء النّزوعي ، والإحساس بالجزء الحاس . وهي ثانياً : شوقٌ عن تخيّل ، وبعد أن يحصل هذان يمكن أن تحصل المعارف الأُوَّل الّتي تحصل من العقل الفعّال في الجزء النّاطق . وهي ثالثاً : شوقٌ عن نطق ، وهذا هو المخصوص باسم الاختيار ، وهو الّذي يفرّق الإنسان عن سائر الحيوان طبقاً للتّعريف الشّائع بأنَّ "الإنسان حيوان ناطق " ولعل هذا النّوع من الإرادة هو الأهمّ بين الإرادات المذكورة " بهذا _[النّوع ] _ يقدر الإنسان أن يفعـل المحمود والمذموم ، والجميل والقبيح ، ولأجل هذا يكون الثّواب والعقاب" أمّا الإرادتان الأوّليان فإنّهما قد يكونان في الحيوان غير النّاطق،وبذلك فهما مشتركتان بين الإنسان والحيوان ، بينما إذا حصلـت الإرادة الثّالثة في الإنسان ، يكون بوسعه أن يسعى نحو السّعادة أو أن لا يسعى ، وأن يفعل الخير أو أن يفعل الشّر ، وأن يفعل الجميل أو القبيح أيضاً (للمزيد ، أنظر المصدر نفسه).

القول في السّعادة :

يرى الفارابي بأنَّ السّعادة هي الخير على الإطلاق ، وبأنَّ كلَّ ما من شأنه أن يعيق الوصول إلى السّعادة هو الشّر على الإطلاق(المصدر نفسه،ص72)،والخير والشّر إمّا أن يوجدا بالطّبع أو بالإرادة ، والخير الإرادي والشّر الإرادي هما الجميل والقبيح،والسّعادة الّتي يشعر بها الإنسان تحصل فقط بالقوّة النّاطقة النّظريّة وهي أحد قوى النّفس الخمسة ، النّاطقة النّظريّة والنّاطقة العمليّة، والنّزوعيّة ، والمتخيّلة ، والحسّاسة ( أنظر ، المصدر نفسه ، ص73 ) ، من ناحية أخرى لا يوجد سعادة واحدة كاملة غير متفاضلة عند النّاس ، بل يوجد بضع سعاداتٍ متفاضـلةٍ بالنّوع والكـمّ والكيف :" ..والسّعادات تتفاضل بثلاثة أنحاء ، بالنّوع ، والكميّة والكيفيّة "(الفارابي ، أبو نصر، آراء أهل المدينة الفاضلة ، قدّمه وعلّق عليه ، الدكتور ألبير نصري نادر ، الطبعة الخامسة ، ص139) .

وهذا التّفاضل شبيه بتفاضل الصّنائع ، ولجوء الفارابي إلى التّشبيه والمماثلة مردّه أنَّ غالبيّة النّاس يستيسرون الفهم عن طريق التّمثيل ومحاكاة ما هو محسوس في الحياة كونه أقرب إلى الفهم والتّصوّر ، لذا نجده يحدّد التّفاضل بالنّوع على هذا النّحو : " التّفاضـل بالنّوع هو أن تكون صناعات مختلفة بالنّوع ، بحيث إحداها أفضل من الأخرى مثل الحياكة وصناعة البزّ وصناعة العطر، ومثل صناعة الرّقص ، وصناعة الفقه، ومثل الحكمة والخطابة " ( المصدر نفسه، ص139) أمّا التّفاضل بالكميّة ، فيكون لأهل الصّنائع الّتي من نوعٍ واحد ، كأن يكون كاتبان مثلاً ، عَلِمَ أحدهما من أجزاء صناعة الكتابة أكثر من الآخر ، وآخر احتوى من أجزائها على أشياء أقلّ . وأمّا التّفاضل بالكيفيّة ، هو أن يكون اثنان احتويا من أجزاء الكتابة على أشياء بأعيانها ويكون أحدهما أقوى فيما احتوى عليه وأكثر دراية .

من ناحيةٍ أخرى يبرز الفارابي أثر الأفعال الحسنة في تقويّة جزء النّفس المعدّ بالفطرة للسّعادة ، وإذا بلغ من القوّة حدّاً يجعله في حلٍّ من المادّة ، عندئذٍ تحصل السّعادة دون أن تكون محتاجة في قوامهـا ووجودهـا إلى مادة ( أنظر ، السياسة المدنيّة ، ص81 ) وعليه فالنّفس هي الآلة الّتي يتمّ بها تحصيل السّعادة وليس البدن لأنّ البدن يبطل أمّا النّفس فلا تبطل ببطلانه، من هنا يكشف الفارابي عن عمق العلاقة بين السّعادة والنّفس الأمر الّذي جعله يولي أهمّية لخلاص النّفوس وازديادها : " فإذا مضت طائفة وبطلت أبدانها ، وخلصت أنفسها وسعدت ، فخلفهم ناس آخرون بعدهم فقاموا في المدينة مقامهم ، وفعلوا أفعالهم،خلصت أيضاً أنفس هؤلاء..وكلّما كثرت الأنفس المتشابهة المفارقة واتّصل بعضها ببعض ، كان التذاذ كلِّ واحدٍ منها أزيد " ( المصدر نفسه ) فاتّصال الأنفس المتشابهة بعضها ببعض في كافّة الأزمنة ، يزيد من سعادتها على نحوٍ مطّرد: " وزادت لذّات الماضين باتّصال اللاّحقين بهم لأنَّ واحدةً تعقل ذاتها وتعقلُ مثلها مراراً كثيرةً ويزيد ما يعقل منها بلحاق الغابرين بهم في مستقبل الزّمـان فيكـون تزيُّد لذّات كلّ واحدٍ في غابر الزّمان بلا نهاية ، فهذه هي السّعادة القصوى الحقيقيّة الّتي هي غرض العقل الفعّال " ( المصدر نفسه ، ص82) ،وعليه فاتّصـال النّفوس ببعضها يجعلها تعيش في شركـة روحيّة أبديّة بحيث يمتدّ أثر الأنفس اللاّحقة في الأنفس السّابقة ، وتزداد اللذة كلّما ازداد عدد الفاضلين اللاّحقين وذوي الأنفس الإنسانيّة المتشابهة إلى ما لانهاية .

القول في العضو الرّئيس والرّئاسة :

يولي الفارابي للرّئيس أهميّة كبيرة في مجتمع المدينة،فمنزلتهُ من المدينة أشبه ما تكون بمنزلة القلب من البدن، فكما أنّ القلب هو العضو الرّئيس في البدن فإنَّ الرّئيس هو العضو الرّئيس في المدينة : " وكما أنَّ القلب يتكوّن أوّلاً ثمَّ يكون هو السّبب في أن يكوّن سائر أعضاء البدن،والسّبب في أن تحصل لها قواها وأن تترتّب مراتبها.. كذلك رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون هو أوّلاً ، ثمّ يكون هو السّبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها ، وهذا ما حدا بنا أن نبدأ بالقول في الرّئيس قبل القول في المدينة الفاضلة ومن ثمَّ مضادّاتها"( آراء أهل المدينة الفاضلة، ص120) ، ووفقاً لهذه النّظرة ينفي الفارابي مسألة انتخاب الرّئيس من قِبَل أعضـاء المدينة،أو القول بأسبقيّة الاجتماع المدني على وجـود الرّئيس ، كما ينفي إمكان قيام مجتمع مدني عن طريق اتّفاق أعضائه في انتخاب رئيس لهم يدبّر لهم شؤونهم ، وهذا يرتكز بالطّبع على الأساس الفلسفي الّذي ينطلق منه الفارابي في إشادة علمه المدني،وهو أنَّ أوّل الموجودات وأسبقها في الوجود هو السّبب الأوّل الّذي تفيض عنه بقيّة العقول والأجسام الأخرى،فيكون للواحد أسبقيّة في الوجود على بقيّة الموجودات الكثيرة الّتي تخضع لتدابيره بشكلٍ تراتبي ، الأدنى منها يخضع للأعلى . وهكـذا هو الحال في تحديد العلاقة بين الرّئيس والنّاس وسائر أجزاء المدينة عموماً : " وتلك حـال الموجودات ، فإنَّ السّبب الأوّل نسبته إلى سائر الموجودات كنسبة ملك المدينة الفاضلة إلى سائر أجزائهـا "،(المصدر نفسه ، ص122) ، وكما أنَّ الأخسّ يقتفي غرض ما هو فوقه،وكما تكون الموجودات كلّها تقتفي غرض السّبب الأوّل ، ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة ، بحيث يتعيّن على كلّ أجزائها أن تحتذي بأفعالها نحو مقصـد رئيسها الأوّل على التّرتيب ، وليس يمكن أن يكون رئيس المدينة الفاضلة أي إنسان ، فللرّئاسة شروطٌ ينبغي أن تتوافر في الرّئيس:" الرّئاسة إنّما تكون بشيئين : أحدهما أن يكون بالفطرة وبالطّبع معدّاً لها ، والثّاني بالهيئة والملكة الإراديّة .. والرّياسة لمن فطر بالطّبع معدّاً لها ، فليس كلّ صناعة يمكن أن يرأس بها ، بل أكثر الصّنائع صنائع يخدم بها في المدينة ، وأكثر الفطر هي فطر الخدمة .. كذلك الرّئيس الأوّل للمدينة الفاضلة ينبغي أن تكون صناعته صناعة لا يمكن أن يخدم بها أصلاً ، ولا يمكن فيها أن ترأسها صناعة أخرى أصلاً " .

( المصدر السّابق ، ص122، ص123) .

والرّئيس ليس هو من لا يملك القدرة على إرشاد وإنهاض غيره ، فهذا يكون مرؤوساً وفي كلّ شيء ، فالرّئيس :"من كانت له قوّة على أن يرشد غيره إلى شيء مّا يحمله عليه أو يستعمله فيه،فهو رئيس في ذلك الشّيء على الّذي ليس يمكنه أن يفعل ذلك الشّيء من تلقاء نفسه " ، ( السّياسة المدنيّة ، ص79 ) ، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على ضرورة توفّر الاستعداد والموهبة للرّياسة بشكل فطري في الرّئيس .

من ناحية أخرى هنالك رئاسات يكون فيها الرّئيس مرؤوساً لرئيس آخر وفـق تسلسل تراتبي ، باستثناء الرّئيس الأوّل الّذي لا يحتاج ولا في شيء أن يرأسه إنسان ، الأمـر الّذي يستدعي أن تكون العلوم والمعارف لديه حاصلةً بالفعل ولا حاجة به أن يرشده غيره في شيء ، وتكـون له قدرة عل جـودة إدراك شيء ممّا ينبغي أن يعمـل من الجزئيّات ، وقوّة على جودة إرشاد لكلّ من سواه إلى كلّ ما يعلّمه ويكون لديه قدرة على تقدير الأعمال وتحديدها وتسديدها نحو السّعادة وهذا لا يكون على حدّ قوله إلاّ : " في أهل الطّبائع العظيمة الفائقة إذا اتّصلت نفسه بالعقل الفعّال "( المصدر نفسه ، ص 9 ) .

ويتمّ بلوغ ذلك بأن يحصل له أوّلاً العقل المنفعل ثمّ أن يحصل له بعد ذلك العقل المستفاد : " فبحصول المستفاد يكون الاتّصال بالعقل الفعّال " بمعنى أنَّ العقل المستفـاد هو الصلـة الّتي تصل بين العقل المنفعل والعقل الفعّـال، والشّخص الّذي يحصل له ذلك _ كما هو الحال عند القدماء _ هو الملك الّذي يوحى إليه كونه بلغ هذه الرّتبة ، فتفيض من العقل الفعّال إلى العقل المنفعل القوّة الّتي بها يمكن أن يوقف على تحديد الأشياء والأفعال وتسديدها نحو السّعادة:"ويتمّ ذلك على اعتبار أنَّ العقل المنفعل هو شبه المادّة والموضوع للعقل المستفاد، والعقل المستفاد شبه المادّة والموضوع للعقل الفعّال ، وبما أنَّ العقل الفعّال فائضٌ عن وجود السّبب الأوّل ، يمكن القول بأنَّ السّبب الأوّل هو الموحي إلى هذا الإنسان بتوسّط العقل الفعّال"بناءً على ذلك يستنتج الفارابي بأنَّ رئاسة هذا الإنسان الموحى إليه من السّبب الأوّل بتوسّط من العقل الفعّال هي الرّئاسة الأولى في حين أنَّ سائر الرّئاسات متأخّرة عن هذه وكائنة عنها .. وينتج من ذلك أنَّ النّاس الّذين يُدَبَّرون برئاسة هذا الرّئيس هم النّاس الفاضلون والأخيار السّعداء ، فإن كانوا أمّةً فتلك هي "الأمّة الفاضلة"،وإن كانوا أُناساً مجتمعين في مسكنٍ واحـد يجمـع جميع من تحت هذه الرّئاسة فهي "المدينة الفاضلة" أمّا من كانوا في مساكن متفرّقة يُدَيَّر أهلها برئاساتٍ أُخر غير هذه كانوا أناساً أفاضل يعرض تفرّقهم لأسبابٍ متعدّدة، إمّا أنّه لم تتّفق لهم بعد مدينة يجتمعون فيها ، أو أنّهم كانوا في مدينةٍ عرضت لها آفات من عدوٍ أو وباء أو جدبٍ أو غير ذلك فاضطرّوا إلى التّفرّق،بعد ذلك ينتقل الفارابي للحديث عن طبيعة المدينة أو الأمّة الواحدة أو الأمم الكثيرة الّتي يتواجد فيها جماعة من الملوك في وقتٍ واحد، بأنّها تكـون موحّدةً كملك واحد نظراً لاتّفاق هممهم وأغراضهم وسِيَرِهم ، فتصبح القيادة الجماعيّة أمـراً يسيراً فيما بينهـم لعلّة تجانسهم ووحـدة مقاصدهم وأهدافهم ، وعليه يكون بالإمكـان تشكيل مجلس رئاسة منهم ، فتكون نفوسهم كنفسٍ واحدة حتّى إذا توالوا في الأزمان واحداً بعد آخر ، بحيث يكون الثّاني على سيرة الأوّل والغابر على سيرة الماضي ، وهذا التّواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل لا يعني الجمود والتّقليد الكامل، إنّما يخضع لمنطق التّجديد والتّطوّر طبقاً لقول الفارابي : " وكما أنّه يجوز للواحد منهم أن يغيّر بشريعة قد شرّعها هو في وقتٍ إذا رأى الأصلح تغييرها في وقتٍ آخر ، كذلك الغابر الّذي يخلف الماضي له أن يغيّر ما قد شرّعه الماضي ، لأنَّ الماضي نفسه لو كـان مشاهداً للحال لغيّر " ( السّياسة المدنيّة، ص81) فالحياة ليست جامدةً بل متحرّكةً تتطوّر في كلّ عصر فتكون مقتضيات العصر قاضيةً بالتّعامل معها بالشّرائع الملائمة .

الخصال الواجب توفرها في رئيس المدينة الفاضلة:

ينبغي لرئيس المدينة الفاضلة حيازة اثنتي عشرة خصلة تكون قد اجتمعت فيه بالطّبع ويكون قد فُطِرَ عليها ، بالإضافة إلى توفّر ستة شروطٍ أخرى مكتسبة لكنّها لازمة ( أنظر، آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص127،ص128،ص129) . الخصلة الأولى : أن يكون سليم البدن ، تام الأعضاء بحيث تكون قواها مؤاتية أعضائها على الأعمال الّتي شأنها أن تكون بها ، ومتى همّ بعضوٍ مّا من أعضائه عملاً يكون به ، فأتى عليه بسهولة . بمعنى أنَّ الجسد منظومةٌ متكاملة إذا اعتلَّ عضوٌ من أعضائه نجـم عنه اضطّرابٌ في القيام بعمل العضـو المعتلّ من ناحية وانعكس اعتلاله على باقي أعضاء الجسد من ناحية أخرى. ناهيك عن أن الرّئيس صورةٌ عن العقل الفعّال وعلى علاقةٍ واتّصال بالسّبب الأوّل، الموجود الكامل ، واجب الوجود ، المنزّه عن كلّ نقص واعتلال ، فلا يجوز أن يعتريه النّقص والاعتلال .

الخصلة الثّانية: أن يكون بالطّبع جيّد الفهم والتّصوّر لكلّ ما يقال له فيلقاه بفهمه على نحـو ما يقصده القائل ، وعلى حسب الأمر في نفسه ووجود هذه الخصلة في الرئيس تمليها الضرورة لئلاَّ يخطئ في فهم الآخرين فيخطئ في التّدابير الّتي يلجـأ إليها ، من هنا يعدّ الفهم الصّحيح والقدرة على تفسير العالم والأشياء الموجودة فيه _ بما فيها العلاقات الاجتماعيّة _ أحد أهم الشروط الّتي تقوم عليهـا نظريّة المعرفة ، حتّى يتسنّى التأثير فيه تأثيراً إيجابيّاً يأخذ بنظر الاعتبار الخصائص الذّاتيّة والموضوعيّة للعالم والمجتمع والأشياء ، ويحول دون الوقوع في الخطأ والضّلال .

الخصلة الثّالثة : أن يكون جيّد الحفـظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ولما يدركه ، وفي الجملة لا يكاد ينساه وهذا يتطلّب وجود جملة عصبيّة سليمة ومعافاة، والغاية من وجود هذه الخصلة، هي حتى يكون الرّئيس على بيّنة في تدبّر القضايا والأحكام فلا يقع في الزّلل .

الخصلة الرّابعة : أن يكون جيّد الفطنة ذكيّاً،إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة الّتي دلَّ عليها الدّليل. وهذه خصلة أساسيّة في الخصال الواجب أن يتمتّع بها الرّئيس فيكون جيّد التّذكّر والانتباه ، لبيداً ذو حاسّة مرهفة تمكّنه من الوصول إلى الشّيء بأقلّ الأدلّة .

الخصلة الخامسة : أن يكـون حسن العبارة ، يؤتيه لسانه على إبانة كلّ ما يضمره إبانة تامّة ، وهذا يعني تطابق اللّفظة مع الفكرة تطابقاً تامّاً حتّى لا يقع التباسٌ في التّعبير والإبانة،لأنَّ من يخونه اللّسان عن حسن نيّة ، يفتح الباب للتّأويل الخاطئ لما يُقال .

الخصلة السّادسة: أن يكون محبّاً للتّعليم والاستفادة، منقاداً له سهل القبول،لا يؤلمه تعب التّعليم،ولا يؤذيه الكدُّ الّذي ينال منه ، لأنَّ العلم زاد المعرفة والمعرفة نور الحقّ الّذي لا ينطفئ ، وبالعلم تتهذّب النّفوس وتصفوا . وبالتّالي يكون الرّئيس على درجة من العلم والمعرفّة تمكّناه من حلّ جميع القضايا والمشكلات الّتي تواجهـه بالمنطق والعقل والحوار ، وتفادي اللّجوء إلى العنف وسفك الدّماء وما شاكل ذلك .

الخصلة السّابعة : أن يكون غير شرهٍ في المأكول والمشروب والمنكوح، متجنّباً بالطّبع للّعب مبغضاً للذّات الكائنة عن هذه . لأنَّ الإسراف في طلب تلك الأمور من شأنه أن يصـرف الرّئيس عن تدبّر أمـور الرّعيّة ويفقده مكانته ومهابته .

الخصلة الثّامنة : أن يكون محبّاً للصّدق وأهله ، مبغضاً للكذب وأهله . الأمر الّذي يُكسِبهُ ثقة الجمهور ومحبّته ، ويزرع المهابة في نفوس مواطنيه جميعاً .

الخصلة التّاسعة : أن يكون كبير النّفس ، محبّاً للكرامة ، تكبر نفسه بالطبع إلى الأرفع منها ، وهي نقطة جوهريّة كون الرّئيس مثلاً أعلى للرّعيّة يتشبّهون به ويقتفون أثره فإن هانت عليه كرامته ستجد أصداء لها في نفوسهم ، وإن عفّت عليه نفسه وكانت الكرامة عنوان شخصيّته ستجد تجليّاتها في كرامتهم طبقاً للمثل الشّائع " أخلاق الرّعيّة من الرّاعي " .

الخصلة العاشرة : أن يكون الدّرهم والدّينار وسائر أعراض الدّنيا هيّنةً عنده ،وهذا تكريسٌ للعادات والأخلاق المتوارثة منذ القدم ، كعادات الكرم والسّخاء ، والإيثار ، وغيرها،حتّى إذا عمَّ هذا المبدأ لم يعد للسّحت مكان ٌ في الأمّة ، ولم يعد أحدٌ محتاج فيها فيتحقّق بذلك التّآزر الاجتماعي والأمن والاستقرار للجميع .

الخصلة الحادية عشرة : أن يكون بالطّبع محبّاً للعدل وأهله ، ومبغضاً للجور وأهلهما ، ثمّ أن يكون عدلاً غير صعب القياد ولا جموحاً ولا لجوجاً إذا دُعي إلى العدل ، بل صعب القياد إذا دُعي إلى الجـور وإلى القبيح . فالعدل خيرٌ والخيرُ مجلبةٌ للسّعادة ، والجورُ ظُلمٌ ، والظّلم مجلبةٌ للشّر والشّر مجلبةٌ للشّقاء .

الخصلة الثّانية عشرة : أن يكون قوي العزيمة_على الشّيء الّذي يرى أنّه ينبغي أن يُفعل _جسوراً عليه، مقداماً غير خائف ولا ضعيف النّفس .( أنظر ، المصدر نفسه ) .

وبالطّبع فإنَّ توفّر جميع هذه الشّروط في شخصٍ واحد ليس بالأمر اليسير :" واجتماع هذه كلّها في إنسان واحد عَسِر ، فلذلك لا يوجد من فُطِرَ على هذه الفطرة إلاّ الواحد بعد الواحد ، والأقلّ من النّاس ، ويكون الرّئيس الثّاني الّذي يخلف الأوّل من اجتمعت فيه من مولده وصباه تلك الشّرائط ، ويكون بعد كبره فيه ستة شرائط مكتسبة هي :أن يكون حكيماً ، وأن يكون عالماً حافظاً للشّرائع والسّنن والسِّيَر الّتي دبّرها الأوّلون للمدينة محتذياً بأفعاله كلّها حذو تلك بتمامها ، وأن يكون له جودة استنباط فيما لا يُحفَظ عن السّلف فيه شريعة ، ويكون فيما يستنبطه من ذلك محتذياً حذو الأئمّة الأوّلين ، وأن يكون له جودة رؤية وقوّة استنباط لِما سبيله أن يُعرف في وقت من الأوقات الحاضرة من الأمور والحوادث الّتي تحدث ممّا ليس سبيلها أن يسير فيه الأوّلون فيكـون متحرّيّاً بما يستنبطه من ذلك صلاح حال المدينة ، وأن يكون له جودة إرشاد بالقول إلى شرائع الأوّلين وإلى الّتي استنبطت بعدهـم ممّا احتذى حذوهم ، وأن يكون له جودة ثبات ببدنه في مباشرة أعمال الحرب وذلك أن يكون معه الصّناعة الحربيّة الخادمـة والرّئيسيّة ( آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص130) . ويمكن أن توجد الرّئاسة باثنين ، إذا وُجِـدَ اثنان أحدهما حكيم والثّاني فيه الشّرائط الباقية كانا هما رئيسين في هذه المدينة ، ولا يمكـن للمدينة أن تعمّر طويلاً إذا خلت من وجود حكيمٍ يقف على رأسها : " فإن لم يتّفق أن يوجـد حكيم ..لم تلبث المدينة بعد مدّة أن تهلك"(المصـدر نفسه، ص130) .

البنية التّنظيميّة للمدينة الفاضلة:

لكي تحصل المدينة الفاضلة ينبغي أن يوجد الرّئيس أوّلاً،فالعلاقة بين المدينة والرّئيس أشبه ما تكون بعلاقة النتيجة بالسّبب ، والمعلول بالعلّة، من هنا كانت المدينة نتيجةً ومعلولاً لوجود الرّئيس ، من ناحية ثانية ليست جميع المراتب الاجتماعيّة واحدةً في المدينة، الأمر الّذي يجعلها تتفاضل في الخدمة والرّئاسة فيما بينها ،ويعود هذا التّفاضل إلى أهل المدينة أنفسهم :"تتفاضل [ المدينة] بحسب فِطَرِ أهلها،وبحسب الآداب الّتي تأدّبوا بها والرّئيس الأوّل هو الّذي يرتّب الطّوائف ، وكلّ إنسان من كلّ طائفة في المرتبة الّتي هي استيهاله ، وذلك إمّا مرتبة خدمـة وإمّا مرتبة رئاسة " ( السّياسة المدنيّة ، ص83) .

ولكن رئيس المدينة متى أراد أن يحدد وصيّة في أمر أراد أن يحمل عليه أهل المدينة ، أو طائفة من أهل المدينة، فإنّه يوعز إلى أقرب المراتب لينهضهم نحوها ، فيقوم بتعميم ذلك إلى من يليه ، وهكذا حتّى يصل إلى من رُتّبَ للخدمة في ذلك الأمر ، ولا يخفى ما لهذا المبدأ من قيمـة كبيرة ، فهو تجسيد للعمـل بمبدأ الشّورى ، وتكريسٌ لارتباط الرّئيس برعيّته ، الأمر الّذي يجعل المدينة تعمل بانسجام كجسدٍ واحد ، وتبتعد عن الخلافات النّاشئة فيما بينها ، :" فتكون المدينة حينئذٍ مرتبطةً أجزاؤها بعضها مع بعض،ومرتّبةً بتقديم بعض وتأخير بعض "(المصدر نفسه، ص 84) .

وبعبارة أخرى : تحاكي المدينة في تنظيمها الموجودات الطّبيعيّة في الحياة : " وتصير شبيهةً بالموجودات الطّبيعيّة ، ومراتبها شبيهةً أيضاً بمراتب الموجودات،وارتباطهـا وائتلافها شبيهـاً بارتباط وائتلاف الموجودات المختلفة بعضها ببعض .. [ ويكون] مدبّر تلك المدينة شبيه بالسّبب الأوّل الّذي به وجود سائر الموجودات"(المصدر نفسه، ص84) ، وهكذا ينبغي لرئيس المدينة الفاضلـة ألاّ يكـون فيلسوفاً فحسب بل أن يكون نبيّاً على اتّصالٍ بالسّبب الأوّل وبالعقل الفعّال ، من ناحية أخرى تكمـن سعادة المدينة في محاربة الشّرور وزوالها ، وحلـول الخير بنوعيه الطّبيعي والإرادي ، وتلك هي مهمّة الرّئيس مدبّر المدينة : " وبالجملة يلتمس إبطال الشّرّين جميعاً وإيجاب الخيرين جميعاً . وتبقى المعرفة بمبادئ الموجودات القصوى ومراتبها ، والسّعادة والرّئاسة ضرورة لكلّ واحد من أهل المدينة الفاضلة ، والأفعال المحمودة إذا فُعِلَت نيلت بها السّعادة " (أنظر ، المصـدر نفسه ) ، كما أنّه لا تكفي المعرفة بهذه الأفعال دون أن تتعيّن في شكل ممارسات عمليّة،بمعنى ضرورة ربط النّظريّة بالممارسة العمليّة ، فسبيل تحصيل السّعادة لأهل المدينة الفاضلة هو ألاّ يقتصر الجهد على تعلّم الأفعال الّتي بها تُنال السّعادة ، من دون أن تُعْمَل ويأخـذ أهل المدينة بفعلها ( أنظر ، المصدر نفسه ، ص 85 )،والسّبيل إلى معرفة مبادئ الموجودات ومراتبها، والسّعادة ، ورئاسة المدن الفاضلة ، إنّما يتمّ بطريقين التّصوّر أو التّخيّل : " إمّا أن يتصوّرها الإنسان ويعقلها وإمّا أن يتخيّلها " والفرق بين التّصوّر والتّخيّل هو أنه بالتصوّر ترتسم في نفس الإنسان ذواتها كما هي موجودة في الحقيقة ، وأمّا بالتّخيّل فترتسم في نفس الإنسان خيالاتها و مثالاتها وأمور تحاكيها ، ويتمّ ذلك بهاتين المرتبتين ، لأنَّ النّاس ليسوا على مرتبةٍ واحدة ، وأنَّ محاكاة الأشياء تختلف من أمّة لأمّة ، ومن طائفةٍ لطائفة :" فلذلك .. يمكن أن تكون أمم فاضلة ومدن فاضلة تختلف مللهم وإن كانوا كلّهم يَؤُمُّون سعادة بعينها "وإن كان أكثر النّاس يؤمّون السّعادة بالتّخيّل لا بالتّصوّر ، لأنَّ التّخيّل أيسر لدى العقول من التصوّر إليها ، ناهيك أنَّ الأكثريّة من النّاس هم من ذوي الرّتب الخادمة والعاديّة : " وأكثر النّاس الّذين يؤمّون السّعادة إنّما يؤمّونها مُتخيّلةٍ لا متصوّرة ، والذّين يؤمّون السّعـادة متصوّرة ً ويتقبّلونها ، ويؤمّونها عل أنّها كذلك هم المؤمنون"( المصدر نفسه ، ص 86) . والأمور الّتي تُحاكى بالتّخيّل تتفاضل في الدّرجة ، فمنها ما هو أزيد ومنها ما هو أنقص : " فيكون بعضها أحكم وأتمّ تخيّلاً ، وبعضها أنقص تخيّلاً ، وبعضها أقرب إلى الحقيقة ، وبعضها أبعد عنها .. " ( المصدر نفسه ، ص 86) . ولتأمين السّعادة لأفراد المدينة الفاضلة، يحددّ الفارابي الأشياء الّتي ينبغي أن تكون معلومةً من قبلهم ، وأوّلها معرفة السّبب الأوّل وجميع ما يوصف به ، ثمّ الأشياء المفارقة للمادّة وما يوصف كلّ واحدٍ منها بما يخصّه من الصّفات ، والمرتّبة إلى أن تنتهي من المفارقة إلى العقل الفعّال وفعل كلّ واحدٍ منها ، ثمًّ بمعرفة شيء رابع هو معرفـة الأجسام الطّبيعيّة الّتي تحتها ، كيف تتكوّن وتفسد ، وإنَّ ما يجري فيها يجري على إحكام وإتقان وعناية وعدل وحكمة ، .. ثمّ كون الإنسان وكيف تحدث قوى النّفس، وكيف يفيض عليها العقل الفعّال الضّوء حتّى تحصل المعقولات الأُوَّل ، والإرادة والاختيار ، ثمَّ الرّئيس الأول ، وكيف يكون الوحي، ثمَّ الرّؤساء الّذين ينبغي أن يخلفوه إذا لم يكن هو في وقت من الأوقات ، ثمّ المدينة الفاضلـة وأهلها والسّعادة الّتي تصير إليها أنفسهم ، والمدن المضادّة لها وما تؤول إليه أنفسهم بعد الموت ، إمّا بعضهم إلى الشّقاء وإمّا بعضهم إلى العـدم ، ثمّ الأمم الفاضلة ، والأمم المضادّة لها ، وهذه المعرفة تتمّ بطريقين ، الأول أن ترتسم في نفوسهم كما هي موجودة، والثّاني أن ترتسم فيها بالمناسبة والتّمثيل على النّحو الّذي أشرنا إليه سابقاً .

القول في مضادّات المدينة الفاضلة :

ثمّة مدن مضادّة للمدينة الفاضلة : المدينة الجاهليّة ، المدينة الفاسقة ، المدينة المتبدّلة ، والمدينة الضّالة ، ونوائب المدن . أمّا الجاهليّة : فهي تلك الّتي لم يعرف أهلها السّعادة ، ولا خطرت ببالهم ، وإن أُرشِدوا إليها لم يفهموها ولم يعتقدوها .. والسّعادة هي عندهم هي ما عرفوه من الخيرات تُظَنّ أنّها الغايات في الحياة وهي سلامـة الأبدان، واليسار والتّمتّع باللّذات وأن يكون مُخلى هواه ، وأن يكون مكرماً معظّماً ، فكل واحدة من هذه سعادة عند أهل الجاهليّة ، والسّعادة العظمى الكاملة هي اجتماع هذه كلّها ( أنظر ، آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص131) ويضادّها الشّقاء ( آفات الأبدان ، الفقر ، وغياب التّمتّع باللذّات .. الخ ) ، وتنقسم المدينة الجاهلية الّتي لا تعرف الخير الحقّ ومن ثمَّ السّعادة الحقّة وإلى مجموعة من المـدن أبرزهـا : المدينة الضّروريّة :وهي الّتي قصد أهلهـا الاقتصار على الضّروري ممّا به قوام الأبدان من المأكول والمشروب والمنكوح ، والتّعاون على استعادتها . المدينة البدّالة : وهي الّتي قصد أهلها أن يتعاونوا على بلوغ اليسار والثّروة على اعتبار أنَّ اليسار لديهـم هو الغاية من الحياة . مدينة الخسّة والسّقوط:وهي الّتي قصد أهلها التّمتّع باللّذّة من المأكول والمشروب والمنكوح..وإيثار الهزل واللّعب بكلّ وجه ومن كلّ نحو . مدينة الكرامة : وهي الّتي قصد أهلها المجد والعظمة والشّهرة بين الأمم .ومدينة التّغلّب: وهي الّتي قصد أهلها أن يكونوا القاهرين لغيرهم ، الممتنعين أن يقهرهم غيرهم ، ويكـون كدّهم اللّذة الّتي تنالهم من الغلبة فقط . والمدينة الجماعيّة : هي الّتي قصد أهلها أن يكونوا أحراراً يعمل كلّ منهم ما شاء ، وملوك الجاهليّة على عهد مدنها أن يكون كلّ واحد منهم إنّما يدبّر المدينة الّتي هو مسلّـط عليها ليحصل هواه وميله ، وأغراض الجاهليّة تلك الّتي ذكرناها،بيد أنَّ المقصود بالرّئاسات الجاهليّة هو أنَّ كلّ رئاسة جاهليّة إمّا أن يكون القصد بها التّمكّن من الضّروريّ أو اليسار ، أو التّمتّع باللّذات ، أو الكرامة والذّكر والمديح ، أو الغلبة ، أو الحرّيّة ..لذلك صـارت هذه الرّئاسات تُشرى شراءً بالمـال .. والرّئيس الفاضل عندهم هو الّذي يقتدر على جودة الرّويّة وحسن الاحتيال فيمـا يُنيلهم شهواتهم وأهوائهم على اختلافها وتفنّنها،ويحفظهم على ذلك من أعدائهم، ولا يرزأ من أموالهم شيئاً بل يقتصر على الضّروري من قوته فقط .. وأمّا الفاضل الّذي هو بالحقيقة فاضل ، وهو الّذي إذا رأَسَهُم قدّر أفعالهم وسدّدها نحو السّعادة ، فهم لا يرئسونه ( أنظر ، السّياسة المدنيّة ، ص 101) .

وأمّا أصحـاب الشّهوات من تغلب عليهـم القوّة الشّهوانيّة فتستحيل قواه الغضبيّة خادمةً لقوّته الشّهوانيّة : " فلذلك يعظم عندهم أمر النّساء ، ويحسن عند كثير منهم الفسق ولا يرون أنَّ ذلك سقوط وتخاسس إذا كانت نفوسهم ذليلة للشّهوات .. ويرى ما يعيبه النّساء هو العيب،وما يستحسنه النّساء هو الحسن ، ويبتغون في كلّ شيء شهوات نسائهم .. وكثير منهم تكون نساؤهم هُنَّ المتسلّطات عليهم والمستوليات على أمـور منازلهم " ( المصدر نفسه ) .

المدينة الفاسقة : وهي الّتي اعتقد أهلها المبادئ وتصوّرها ، وتخيّلوا السّعـادة واعتقدوها، وأُرشِدوا إلى الأفعال الّتي ينالون بها السّعادة وعرفوها واعتقدوها ، غير أنّهم لم يتمسّكوا بشيء من تلك الأفعـال ، ولكن مالوا بهواهم وإرادتهم نحو شيء من أغراض أهل الجاهليّة ..وجعلوا أفعالهم كلّها وقواهم مسدّدةً نحوها ( أنظر ، المصدر نفسه، ص103) والمدينة الفاسقة هي الّتي تكون آراء أهلها آراء أهل المدينة الفاضلة ، ولكنّ أفعالهـم أفعال أهل المدينة الجاهليّة ، بمعنى عـدم تطابق أقوالها مع أفعالها ( أنظر آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص133)ويتعذّر على واحدٍ من أهل هذه المدينة أن يظفر بالسّعادة بمعناها الحقيقي ، وأنواع هذه المدينة على عدد أنواع المدن الجاهليّة .

المدينة المبدّلة : هي المدينة الّتي كانت آراؤها وأفعالها في القديم آراء أهل المدينة الفاضلة وأفعالها ، غير أنّها تبدّلت فدخلت فيها آراء غير تلك واستحالت أفعالها إلى غير تلك الأفعال أيضاً( أنظر، السّياسة المدنيّة ، ص33 ) .

المدينة الضّالّة : هي الّتي حوكيت لأهلها أمور غير هذه الّتي ذكرناها بأن نُصِّبَت لهم المبادئ الّتي حوكيت لهم غير تلك الّتي ذكرناها، ونُصِّبت السّعادة لهم غير الّتي هي في الحقيقة سعادة ، وحوكيت لهم سعادة أخرى غيرها ، وسمـت لهم أفعال وآراء لا تنال بشيء منها السّعادة الحقيقيّة .. وتعتقد في الله عزّ وجلّ .. ويكون رئيسها الأوّل ممّن أُوهِمَ أنّه يوحى إليه من غير أن يكـون كذلك ، ويكون قد استُعمِل في ذلك التّمويهات والمخادعات والغرور ( آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص133 ) وجميع ملـوك هذه المدن مضادّة لملـوك المدن الفاضلة ورياستهـم مضادة للرّياسات الفاضلة .

نوائب المدن : النّوائب في المدن الفاضلة هم أصناف كثيرة منهم صنف متمسّكون بالأفعال الّتي تُنال بها السّعادة، بل شيئاً آخر ممّا يجوز أن يناله الإنسان بالفضيلة من كرامة أو رئاسةٍ أو يسار أو غير ذلك فهؤلاء متقنّصين .. ومنهم من يكون له هوىً في شيء من غايات أهل الجاهليّة .. وهؤلاء يُسمُّون المُحَرِّفة .. ومنهم من ليس يقصد تحريفاً ولكن سوء فهم عن قصد واضـع السنّة ونقصان تصوّره لأقاويله يفهم أمـور شرائع المدينة على غير قصد واضع السنّة .. فهؤلاء هم المارقة ، وصنف آخر يكـونون بما يفعلونه من ذلك غير معاندين للمدينة الفاضلة ولكن مسترشدين وطالبين للحق ، ومنهم صنف آخر يزيّفون ما يتخيّلونه ، ومنهم صنف آخر يتخيّلون السّعادة والمبادىء وليس في قوّة أذهانهم أن يتصوّرون أصلاً أو لا يكونون في قوّة إفهامهم أن يتصوّروها على الكفاية ، وبعضهم يظنّ أنَّ الحقّ هو ما ظهر لكلّ واحدٍ وظنّه في الوقت بعـد الوقت ، وأنَّ الحقيقة في كلّ شيء هو به ظان .. وبعضهم يتخيّل له مثل حلم النّائم أو مثل ما يرى الشّيء من بعيد أن هاهنا حقّاً وبعض هؤلاء من الّذين يلتمسون إمّا كرامةً أو يساراً أو غير ذلك ممّا شأنه أن يهوى ، يلتمسون أن يستريحوا ممّا يجدون من مضض الجهل والحيرة ، ربّما أُوهموا إنَّ الغايات هي الّتي يختارونها هم ويؤثرونها ، وأنَّ السّعادة هي هذه ، وأنَّ الباقين مغرورون فيما يعتقدونه ويجتهدون في تحسين الأشياء الجاهليّة وفي تحسين السّعادة . (أنظر ، السّياسة المدنيّة ، ص104، ص105) .

ممّا تقدَّم يمكن استخلاص العديد من النّقاط أبرزها : أنَّ آراء الفارابي السّياسيّة انعكاسٌ دقيق لآرائه الفلسفيّة عن الكون والعالم،وما كتاب"آراء أهل المدينة الفاضلة"إلاَّ رسالة فلسفيّة مكثّفة تحتوي الكثير من الموضوعات كالفيض ، والإرادة ، والنّفس، والسّعادة ، والاختيار ، والوحي ، والقوّة المتخيّلة ، وهذا دليلٌ على أنَّ فلسفة الفارابي السّياسيّة لم تكن معزولة عن منظومة أفكاره الفلسفيّة ، بمعنى أنَّ ما هو سياسيّ في فكر الفارابي يرتكز على ما هو فلسفيّ فيه ، فالسّياسي مرتبطٌ بالفلسفي ارتباطاً جوهريّاً يستحيل الفصل بينهما . النّقطة الأخـرى إنَّ تأثر الفارابي بمحاورة " السّياسة " لأفلاطون المعروفة خطأً بـ " الجمهوريّة " ، لا يعني التطابق في أفكارهمـا السّياسيّة تطابقاً نهائيّاً ، فثمّة تناقض في بعض أفكارهما ، مثل اشتراط الفارابي في رئيس المدينة الفاضلة أن يكون فيلسوفاً وعلى اتّصالٍ بالعقـل الفعّال ، مقابل اشتراط أفلاطون أن يكون رئيس الجمهوريّة فيلسوفاً فحسب . كذلك تصوّر الفارابي لرئيس المدينة الفاضلة أن يكون قادراً على الولوج في العالم الرّوحي والاندماج معه، للوصول بأهل المدينة إلى السّعادة الكاملة الّتي لا تدوم إلاَّ بدوام الاتّصال بالعقل الفعّال سواءٌ بطريق التّصـوّر العقلي أو بطريق التّخيّل ، القائمين علـى التّأمّل والإلهام ،وهذا يستدعي الجمـع بين النّبوّة والفلسفة في شخص رئيس المدينة الفاضلة ، في مقابل دعوة أفلاطون إلى ضرورة أن يهبط الفيلسوف من تأمّلاته للمعقولات المجرّدة " المُثُل " إلى عالم الشّؤون السّياسيّة والأشياء المحسوسة .كذلك ينكر الفارابي آراء أفلاطون الّتي تقول بشيوعيّة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
saad

avatar

عدد المساهمات : 152
تاريخ التسجيل : 14/04/2012
العمر : 17

مُساهمةموضوع: رد: الفكر السياسي عند الفرابي وابن رشد    الثلاثاء مايو 29, 2012 3:38 pm

لو كان مختصــــــــر ، كان يكون أحسن . Question ..............
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
laaroussi Gnaissa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 175
تاريخ التسجيل : 30/03/2012
العمر : 42
الموقع : www.laaroussi.forummaroc.net

مُساهمةموضوع: رد: الفكر السياسي عند الفرابي وابن رشد    الأربعاء يونيو 13, 2012 10:16 am

ok
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://laaroussi.forummaroc.net
 
الفكر السياسي عند الفرابي وابن رشد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العربي للعلوم القانونية :: محاضرات :: محاضرات-
انتقل الى: